16 Dec, 2025
بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على إنشائه الأصلي، لا يزال برج تورنينغ تورسو في مدينة مالمو السويدية واحداً من أكثر المباني تأثيراً في العالم، كونه أول برج سكني ملتف في التاريخ الحديث، ويُعد هذا المبنى الأيقوني مثالاً حياً على التقاء الفن بالهندسة، وهو ما يجعل الحديث عنه وعن تحديث أنظمته الداخلية، خاصة أنظمة المصاعد، موضوعاً بالغ الأهمية في عالم العمارة الحديثة.
يُعد برج تورنينغ تورسو ناطحة سحاب ملتفة تقع في مدينة مالمو بالسويد، وقد حصد العديد من الجوائز العالمية، وصممه المعماري والمهندس الإنشائي والنحات والفنان الإسباني سانتياغو كالاترافا، حيث تُعتبر معظم أعماله تحفاً فنية قائمة بذاتها، أشبه بمنحوتات ضخمة على نطاق معماري واسع، سواء كانت جسوراً معلقة، أو متاحف، أو ناطحات سحاب، فجميعها أعمال تستحق الدراسة والإعجاب، وقد عبّر كالاترافا عن فلسفته بقوله إنه يسعى دائماً إلى الاقتراب من الحدود الفاصلة بين العمارة والنحت، والنظر إلى العمارة بوصفها فناً قبل أن تكون علماً.
ولا يخرج برج تورنينغ تورسو عن هذا الإطار، إذ استُلهم تصميمه من منحوتة لجذع إنسان ملتف كان كالاترافا قد صممها بنفسه، لذلك ليس من الغريب أن يصف منهجه المعماري بأنه أقرب إلى الفن، وقد أصبح هذا البرج الشرارة الأولى لانتشار فكرة الأبراج الملتفة في مختلف أنحاء العالم.
ومع ذلك، حتى أيقونات العمارة الحديثة تحتاج من وقت إلى آخر إلى التحديث والتطوير، وهنا دائماً ما يبرز دور الشركات الكبرى مثل بايرن قطر في تقديم حلول حديثة لتطوير أنظمة المصاعد، بما يضمن تحسين كفاءتها وإطالة عمرها التشغيلي، مع الحفاظ الكامل على روح التصميم الداخلي الأصلي وعدم التأثير على الهوية المعمارية للمبنى.

يمثل برج تورنينغ تورسو تجسيداً تجريدياً لجسم الإنسان، حيث يتكون من تسعة مكعبات تلتف بانسيابية حول نواة إنشائية مستقيمة، ويمتد إطار فولاذي على زوايا هذه المكعبات ليمنح إحساساً بالعمود الفقري والأضلاع، ويتكون كل مكعب من خمسة طوابق، بمساحة تقارب ألفي متر مربع، ومنذ اكتماله عام 2005، ظل البرج بارتفاعه البالغ 190 متراً أطول مبنى سكني في السويد، وثاني أطول مبنى سكني في أوروبا.
ويُنسب إلى هذا البرج الفضل في إطلاق موجة عالمية من الأبراج الملتفة، وهو ما جعله يُدرج ضمن قائمة أكثر خمسين مبنى شاهقاً تأثيراً خلال الخمسين عاماً الماضية، حيث يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه أول ناطحة سحاب ملتفة، وقد ألهمت تصميماته عدداً لا يُحصى من المشاريع المماثلة، كما أصبح رمزاً معمارياً وطنياً بارزاً.
وقد استمر تأثير هذا الاتجاه المعماري حتى بعد مرور سنوات طويلة، حيث حاز البرج على جائزة العشر سنوات تقديراً لأثره المستدام، وأُشير إلى أنه ألهم تصميم أكثر من ثلاثين برجاً آخر حول العالم، وهو ما يؤكد قوة الفكرة وعمق تأثيرها في العمارة المعاصرة.
تمحورت أعمال التحديث حول تطوير ورقمنة المصاعد السكنية داخل البرج، بهدف الارتقاء بتجربة المستخدم من خلال اعتماد أنظمة ذكية للتحكم بالوجهات، مع مراعاة عامل أساسي يتمثل في الحفاظ على راحة السكان وعدم التأثير على روتينهم اليومي طوال فترة التنفيذ، وقد تم التعامل مع المشروع بأسلوب يوازن بين التطوير التقني واستمرارية الاستخدام.
ويضم البرج خمسة مصاعد إجمالاً، اثنان منها مخصصان للمساحات المكتبية في أول مكعبين ويتمتعان بمدخل مستقل، في حين شملت أعمال التحديث ثلاثة مصاعد سكنية تخدم جميع الطوابق العليا، ولضمان سلاسة الحركة وتقليل أي تأثير على السكان، جرى إيقاف مصعد واحد فقط في كل مرحلة، رغم أن المصاعد تعمل كنظام متكامل، وهو ما تطلب تخطيطاً دقيقاً لإدارة الأحمال والحفاظ على كفاءة التشغيل واستمرارية الخدمة بأعلى مستوى ممكن.
أسفر تحديث المصاعد عن تحسين ملحوظ في الشكل الخارجي والداخلي، حيث أصبحت المصاعد أكثر عصرية وأناقة، إلى جانب تحقيق مستويات أعلى من الكفاءة والأمان، وذلك بفضل أنظمة التحكم الذكية بالوجهة، والتي سمحت بإزالة أزرار الطوابق التقليدية داخل كابينة المصعد، والاكتفاء بأزرار الفتح والإغلاق وزر الطوارئ، مع الإبقاء على إمكانية الوصول إلى الأزرار لأغراض الصيانة والإنقاذ.
وهنا يبرز السؤال، كيف يصل المستخدم إلى الطابق المطلوب دون أزرار داخل المصعد، والإجابة تكمن في أنظمة التحكم بالوجهة الذكية التي تُحدث نقلة نوعية في طريقة استخدام المصاعد.

رغم أن مصاعد البرج تجاوز عمرها التشغيلي خمسة عشر عاماً، فإنها أصبحت اليوم مزودة بأحدث تقنيات المصاعد الرقمية، حيث يختار المستخدم طابقه المطلوب من خلال شاشة تعمل باللمس في بهو المصاعد، ليقوم النظام بتحليل البيانات وتحديد المصعد الأنسب الذي يحقق أسرع رحلة وأقل زمن انتظار، وعند دخول المصعد، يتم عرض معلومات التوقف على الشاشة دون الحاجة لأي أزرار إضافية.
وقد انتهت بذلك فترات الانتظار الطويلة ومشاهد الاكتظاظ داخل المصاعد، حيث تتيح هذه الأنظمة توزيع الركاب بذكاء، وتحسين الطاقة الاستيعابية بنسبة قد تصل إلى ثلاثين بالمائة، مع تقليل زمن الرحلة بما يقارب خمسة وعشرين بالمائة، فضلاً عن تعزيز مستويات الأمان وإمكانية التحكم في صلاحيات الوصول للطوابق المختلفة، إلى جانب إمكانية تخصيص شاشات العرض برسائل ترحيبية أو إرشادية.
يُعد تحديث المصاعد وإطالة عمرها التشغيلي أحد أهم الأساليب لتقليل البصمة الكربونية للمباني والحد من النفايات، حيث إن تحديث الأنظمة القائمة غالباً ما يكون الخيار الأكثر استدامة مقارنة بالاستبدال الكامل، خاصة في المكونات التقنية الكبرى مثل المصاعد، كما أن المباني القديمة تستحق التطوير بدلاً من الهدم، ليس فقط لأسباب بيئية، بل لأنها تمثل جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية والعمرانية للمدن.
رغم أن مصاعد برج تورنينغ تورسو يزيد عمرها عن خمسة عشر عاماً، فإن أعمال التحديث ضاعفت عمرها التشغيلي على الأقل، حيث سجلت المصاعد بعد تشغيلها أكثر من ستين ألف رحلة لكل مصعد خلال الشهر الأول دون تسجيل أي أعطال، وهو ما يعكس جودة التحديث وكفاءة الحلول المطبقة، ومع التوسع المتزايد في رقمنة أنظمة المصاعد، تتجه المزيد من المباني إلى اعتماد حلول ذكية تعزز الكفاءة التشغيلية وتحسن خدمات الصيانة وتجربة المستخدم.
في الختام، يبرهن تحديث مصاعد برج تورنينغ تورسو أنه يمكن للتقنيات الذكية في مجال المصاعد أن تحافظ على قيمة المباني الأيقونية وتعزز كفاءتها التشغيلية دون الإخلال بهويتها المعمارية، وهو توجه يعكس مستقبل العمارة المستدامة والمدن الذكية، وتبرز هنا أهمية الخبرات المتخصصة والحلول المتطورة التي يقدمها قطاع المصاعد الحديث، وهو ما تنسجم معه رؤية بايرن قطر في دعم المشاريع المعمارية بحلول مبتكرة تركز على الجودة والاستدامة وتجربة المستخدم المتقدمة.
مواضيع ذات صلة